حـاجـــتـنــا إلــى الـمـواعــظ
ما أحوجنا في زمن قست فيه القلوب، وظهرت الذنوب، و لم يستحي الكثير من علام الغيوب إلى المواعظ الحسنة.
نعم ما أحوجنا إلى الموعظة الحسنة في وقت كثرت فيه الدعوات الأرضية المضلة، و اشتد فيه الظلام و ظهر الباطل على الحق ظهورا آنيا، و سيطرت فيه المادية حتى تغيرت كثير من القيم السامية.
نعم ما اشد ضرورة العبد المسلم إلى المواعظ التي تثبت قلبه في زمن حار فيه الكثير من الناس فانغمسوا في القيم الهابطة التي غزت العقول و القلوب و المجتمعات.
في تهذيب اللغة قال:"العظة و الموعظة و كذلك الوعظ، و الرجل يتعظ: أذا قبل الموعظة حين يذكر الخير و نحوه مما يرق لذلك قلبه"(1).
و في لسان العرب قال:" و الموعظة النصح و التذكير بالعواقب و تذكير الإنسان بما يلين قلبه من ثواب و عقاب"(2)
فالموعظة إذا تذكير قائم على دعامتي الترغيب و الترهيب.
قال ابن القيم رحمه الله في بيان معنى الموعظة:"هي الأمر و النهي المقرون بالترغيب و الترهيب"(3)،
فالوعظ أسلوب دعوي له أهميته البالغة في إصلاح القلوب و تهذيب النفوس، ذلك انه متعلق بطلب الأرواح و علاجها من أمراضها الفتاكة القاتلة فما أحوجنا إلى ذلك.
نعم يحتاج الناس كلهم إلى المواعظ و التذكير صغيرهم و كبيرهم جاهلهم و عالمهم فاجرهم و تقيهم، و لو كان احد في غنية عنها لكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم، فقد كان عليه الصلاة و السلام يتعهدهم بالمواعظ و يهذب نفوسهم بما يرقق قلوبهم.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله : وكانت مجالس النبي صلى الله عليه و سلم مع أصحابه عامتها مجالس تذكير بالله و ترغيب و ترهيب ، إما بتلاوة القرآن أو بما آتاه الله من الحكمة و الموعظة الحسنة و تعليم ما ينفع في الدين كما أمره الله تعالى في كتابه أن يذكر و يعظ و يقص، و أن يدعوا إلى سبيل ربه بالحكمة و الموعظة الحسنة، و أن يبشر و ينذر وسماه الله (مبشرا و نذيرا و داعيا إلى الله ) و التبشير و الإنذار هو الترغيب و الترهيب فلذلك كانت تلك المجالس توجب لأصحابها رقة القلوب و الزهد في الدنيا و الرغبة في الآخرة"(4)
فالموعظة سبيل للهدى و الرحمة و الشفاء لما في الصدور كما قال سبحانه: " يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم و شاء لما في الصدور و هدى و رحمة للمؤمنين" لأجل ذلك أمر الله تبارك و تعالى بها نبيه عليه الصلاة و السلام فقال تعالى:"وعظمهم و قل لهم في أنفسهم قولا بليغا".
و عن أبي نجيح العرباض بن سارية رضي الله عنه قال:" وعظنا رسول الله صلى الله عليه و سلم موعظة بليغة وجلت منها القلوب و درفت منها العيون..."(5).
قال الدمياطي"( و عظنا رسول الله صلى الله عليه و سلم موعظة) من الوعظ و هو النصح و التذكير بالعواقب، و أتى لنا بكلام دال على التخويف بطريق النصيحة و التذكير بالعواقب لأجل ترقيق القلوب ، و التنوين في موعظة للتعظيم و التفخيم أي بموعظة عظيمة بليغة.
(وجلت): بكسر الجيم أي خافتك(منها القلوب و ذرفت) بفتح الذال المعجمة و الراء أي سالت (منها العيون) أي دموعها و في ذلك إشارة إلى أن تلك الموعظة أثرت في نفوسهم و أخدت بمجامعهم ظاهرا و باطنا ، و هذا دليل على كمال معرفتهم و مراعاتهم لربهم).
و قال ابن القيم رحمه الله : "الانتفاع بالعظة: هو أن يقدح في الق
























